أحمد بن علي القلقشندي
73
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مولانا - أمتع اللَّه بوجوده - غنيّ عن الهناء بمنزل ينزله ومحلّ يحلَّه ، إذ اللَّه سبحانه وتعالى قد كثّر أوطانه وآدره ( 1 ) ، وبلَّغه في تمام عمارتها وانفساحها وطره ، وخصّه بأفضلها معانا ، وأشرفها مكانا ، والمستوجب في الحقيقة للهناء هو الموضع الذي اختاره دارا ، وارتضاه مستقرّا ، وعرف المملوك انتقاله - لا زال يتنقّل في بروج السّعد ، ويأوي إلى ظلّ ظليل من المجد - إلى الدار الفلانية لا زالت جامعة لشمله ، مأنوسة بأهله ، فعدل عن خدمته بالهناء ، إلى إخلاص الدّعاء ، بأن يعرّفه اللَّه تعالى يمنها وبركتها ، ويريه إقبالها وسعادتها ، ويقرن تحوّله إليها بأيمن طائر ، وأبرك طالع ، فإنّ للحركات أوقاتا محمودة ومذمومة ؛ فإذا اعتنى اللَّه تعالى بعبد من عبيده ، وفرض له نصيبا من تأييده ، وفّقه للحركة في الزّمن السعيد ، والوقت الحميد ، لتكون مصايره مشاكلة لمباديه ، وأعجازه مشابهة لهواديه ، واللَّه تعالى يجعل بابها محطَّا للقصّاد ، ومناخا للوفّاد ، ومزارا للعفاة ، وملاذا [ للعناة ] ( 2 ) ويصل بها حبله ، وينشي بها طفله ، ويضاعف باستيطانها أنسه ، ويسر بتبوّئها نفسه ، إن شاء اللَّه تعالى . أبو الفرج ( 3 ) الببغاء : أسعد المنازل وأشرف المواطن ما استوطنه أيّده اللَّه وتبوّاه ، وتخيّره لنفسه وارتضاه ، فغدا بشخصه وطن الإقبال ، وبفائض كرمه حرم الآمال ، وبشرفه للسّؤدد معقلا ، وبنبله للرّياسة منزلا ، فعرّفه اللَّه يمن هذه الدار المعمورة بحلول البركات ، المحفوفة بتناصر السّعادات ، وجعلها وكلّ ربع يقطنه ، ومحلّ يسكنه ، مبشّرا بامتداد بقائه ، وآهلا بالزّيادة في نعمائه . وله في مثله :
--> ( 1 ) الآدر : جمع دار ، وهي المحل يجمع البناء والعرصة ، كالدارة ، وقد تذكّر الدار . القاموس المحيط ( دور ) . ( 2 ) بياض بالأصل ، والتصحيح من المقام . حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 1 ص 24 من هذا الجزء .